هوبز و أراءه في العقد الاجتماعي/
يرى هوبز في كتابه (لاوثيان – التنين) إن الناس بطبعهم أنانيون تماما يلتمسون بقائهم وسلطاتهم والحصول على القوة. ولقد قال هوبز بحياة فطرية سابقة عن نشأة الجماعة، ولكنها حياة فوضى وصراع أضطر الأفراد معها على التعاقد لإنشاء الجماعة السياسية وهذا التعاقد تم فيما بينهم واختاروا بمقتضاه حاكما لم يكن طرفاً في العقد ولم يرتبط لذلك تجاههم بشئ، وخصوصاً إن الأفراد تنازلوا بالعقد عن جميع حقوقهم الطبيعية. وترتب على ذلك أن السلطان الحاكم غير مقيد بشيء وهو الذي يضع القوانين ويعدلها حسب مشيئته وانتهى إلى تفضيل النظام الملكي على النظامين الأرستقراطي والشعبي.[9]
يرى هوبز إن مسيرة الإنسان كلها قائمة على غريزة حب البقاء ويعتقد إن من الخطأ الاعتقاد بغريزة إجتماعية تحمل الإنسان على الإجماع والتعاون. وإنما الأصل أو (الحالة الطبيعية) إن الإنسان ذئب للإنسان وإن الكل في حرب ضد الكل.
فضلاً على ذلك, ويذهب إلى القول بأن الحاجة استشعار القوة يحملان الفرد على الاستئثار بأكثر ما يستطيع الظفر به من خيرات الأرض وإن أعوزتهُ القوة لجأ إلى الحيلة، يشهد بذلك ما تعملهُ عن أجدادنا البرابرة وعن المتوحشين وماتتخذه جميعاً من تدابير الحيطة وأساليب العدوان، وما نراه في علاقات الدول بعضها ببعض، ما تصنعه الحضارة تحجب العدوان بشعار (الأدب) وأن تستبدل العنف المادي بالنميمة والإفتراء، والانتقام والقانون.1
كانت تجربة الحرب الأهلية الإنكليزية عام (1640) قد جعلت هوبز يستنتج إن الناس لا يملكون القدرة على حكم أنفسهم أو الحكم الذاتي، وكان يرى أن الناس في حالتهم الطبيعية، أو كما تخيل وجودهم من غير حكومة، كانوا في حالة خصام وفوضى وهياج على الدوام في حروبهم بعضهم مع البعض الآخر ولقد عبر عن ذلك بقوله (إن الحياة في حالة الفطرة والطبيعة كانت مقفرة، كريهة، قصيرة).
لقد توصل الناس، تخلصا من الخوف المستحوذ عليهم من بعضهم البعض، ورغبة منهم في الحصول على النظام والأمن والتمتع بمزايا القانون والحق، إن نوع من الإتفاق أو العقد تنازلوا بمقتضاه عن حريتهم في العمل وأوكلوها إلى يد الحاكم. وكان من الضروري أن يملك هذا الحاكم سلطة مطلقة غير مقيدة إذ وحده يستطيع حفظ النظام[10].
وهكذا كان هوبز يدافع عن الحكم المطلق، ولكن ليس باسم الحق الإلهي للملوك، بل باسم مصلحة الأفراد وبقاء السلم. انه يجعل الحكم دنيويا ويدل على منفعته.
اعتبر هوبز من خلال مؤلفة (لوثيان – التنين) داعية الحكم العلماني المطلق وأحد أعلام أصحاب نظريات السلطة المطلقة للدولة. وكان أثره عظيماً على المفكرين اللاحقين إذ صار جميع المشتغلين بالنظريات السياسية وبعده يعدّون الحكومة نظاما خلفتة أغراض الإنسان ومصالحة.
ولم تعد الحكومة جزءاً من نفحة إلهية مقدسة إذا استثنينا عامة الناس المحترفين من علماء اللاهوت. وقد أثر هوبز تأثيراً سلبياً على من أعقبة من رجال الفكر بما ساقة من حجج تبرر السيادة المطلقة حيث أجبرهم على تنفيذ رأية في السلطة المطلقة غير المحدودة.1
في هذه الفترة لابد من التمييز بين عدة مراتب في تاريخ الحكم.
أولاً: - الحالة الطبيعية، وهي بالنسبة لهوبز حالة حرب وفوضى إن الناس هنا متساوون بالطبيعة. وعن المساواة ينبثق الحذر، وعن الحذر تنشأ الحرب بين الناس. الحياة عزلة فقيرة، حيوانية وقصيرة ومفهوم العادل الجائر لا وجود له. وكذلك الملكية أيضاً. إن هوبز يقع في تناقض هنا إذ يعارض الحق الطبيعي.
ثانياً: - ومع كل هذا، يوجد حق طبيعي وقوانين طبيعية، ولكن هذه المفاهيم ليس لها عنده نفس المدلول الموجود عند منظري الحق الطبيعي يرى هوبز انه في حالة (الطبيعة) حيث يكون كل إنسان عدواً لكل إنسان، ليس هناك مكان للعمل الكادح،
لأن ثمرة ذلك غير محققة. (2)
ونتيجة لهذا لن يكون هناك فلاحة للتربة ولا ملاحة ولا بناء مريح ولا معرفة ولا فنون ولا آداب.
ولكن الناس أحرزوا، بعد ذلك، ما في أيديهم من الخيرات بقبولهم فكرة هيمنة الحكومة بحيث أصبحوا يتقبلون تلك الحكومة ويواصلون العمل بها كأنما هناك عقد اجتماعي فيما بينهم، دون أن يكون موجودا في الواقع.1
أما حق الطبيعة فانه يمت بصلة إلى غريزة البقاء.. حرية الفرد في استعمال قدرته الذاتية كما يشاء من أجل حفظ طبيعته الذاتية أي حفظ حياته الخاصة.
أما القانون الطبيعي فهو حكمة أو قاعدة عامة مكتشفة من قبل العقل. ومن أجل تأمين السلم والأمن، ليس في يد الناس وسيلة أفضل من إقامة عقد فيما بينهم ثم تسليم الدولة بالاتفاق المتبادل الحقوق التي إذا احتفظ الأفراد بها أعاقه سلم البشرية.
على كل حال، كانت حجج هوبز، من بعض الوجوه غير كافية لدعم الملوك المستبدين، لقد كره هوبز الخصام وأعمال العنف وكان دفاعه عن الحكم المطلق قائماً على الحاجة إلى هذا النظام لتوفير السلام الداخلي وطمأنينة الأفراد وسيادة القانون. قرر كذلك أن السلطة المطلقة اعتمدت على اتفاق اختياري عقلي قبلها الشعب بمقتضاه وان الحكومة المطلقة التي تخرج عن شروط هذا الاتفاق خروجاً صريحاً واضحاً يصعب تبريرها حتى وفقا لتعاليم ومبادئ هوبز. ومن هنا يختلف هوبز عن أنصار الحكم المطلق في أيامنا هذه.[11]
يرى هوبز أن المجتمع السياسي ليس واقعة طبيعية، انه بالنسبة إليه الثمرة الاصطناعية لميثاق إرادي ولحساب مصلحي. كما ويرى أن السيادة تقوم على عقد. ومع ذلك فليس أمر عقد بين الملك ورعيته، بل بين الأفراد الذين قرروا أن يكون لهم ملك. وهو بدلاً من أن يحد السيادة يؤسسها على عقد. ثم ان العقد، في الأصل يخلق الرغبة في السلم وهذا بمثابة هم أساسي عند هوبز، في النهاية إن الواقع والهدف عند الذي يتخلى عن حقه أو يحوله ليس أمنه الشخصي في حياته وفي وسائل حفظ هذا الأمن.
هكذا تبدو الدولة كشخص (تعديدية) تكون شخصاً واحداً عندما تتمثل بإنسان واحد أو بشخص واحد.
شرط أن يتم ذلك برضى كل فرد وبصورة خاصة يرضي كل الذين يتكون منهم هذا الشخص ويرى هوبز ان الدولة مجموعة المصالح الخاصة. وعليها أن تدافع عن المواطن وهذا المواطن لا يتخلى عن حقوقه للدولة إلا من أجل حمايته والدولة تفقد مبرر وجودها إذا لم تأمن الأمن وإذا لم تحترم الطاعة. إن أي سلطة روحية لا تستطيع أن تعارض الدولة وليس بمقدور أحد أن يخدم سيدين. والملك ليس فقط أداة الدولة بكل كنيته، انه أيضاً يمسك باليد اليمنى (السيف) وباليد اليسرى عصا الأسقفية وهكذا تتثبت قدرة الدولة وأيضاً وحدتها ولا مكان للأجسام الوسيطة أو الأحزاب أو التكتلات. وحول هذه النقطة يسبق هوبز الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو.[12]
ولا ينفك هوبز ينتقد فعل السلطات. وهو يدعم بقوة أطروحة السيادة المطلقة. ليس للملك أي قيد خارجي يحد من سلطته.
ان أخلاقية هوبز تقوم على اعتبارات منفعية. وهذه الأخلاقية ثابتة – وهي لا تدين بشيء للايمان المسيحي، ولا للولاء للملك، ولا بشيء للرغبة في حفظ المؤسسات أو المحافظة على المصالح المرتبطة بالملكية. يعتقد هوبز أنه في الدولة الأكثر تسلطاً يعرف الفرد أكمل تطوره. أنه يجد فيها مصلحته وسعادته ولذته ورفاهيته. 1
كانت سياسة هوبز في أعماقها عقلانية. وكانت مرتكزة على ثقافة علمية وكانت تعتبر السياسة علماً يجب تركيزه على المفاهيم العادلة وعلى التعاريف الدقيقة. وكانت فلسفته وسياسته مناوئة للأرسطية وهو يرفض الإيمان بالفكرات الفطرية الطبيعية وكان يؤكد على أهمية التعاريف والحدود والاشارات واللغة ((لو لا اللغة لما كان بين الناس دولة ومجتمع وعقد وسلم)).
كان هوبز يرفض اللجوء إلى ماهو فوق الطبيعي. وكل مؤلفاته هي محاربة ضد الأشباح وجهد للقضاء على القوى الخفية. ونهاية ((التنين)) هي في هذا الشأن ملفتة إلى أقصى حد. وربا يكمن هنا مفتاح العمل كله.
ينتقد هوبز في الفصل الأخير من كتابه هذا (لوثيان – التنين) والذي يقع تحت عنوان (مملكة الظلمات) علم الشياطين، والعزائم والرقيات والخوف من الشيطان، والأرباح التي يجنيها الكهنوت (رجال الدين) عن ذلك.
إن القلق البشري هو في أساس الدين ((إن الخشية من قوى خفية، سواء كانت وهما من الفكر أو تصوراً مأخوذاً عن العادات المقبولة عموماً)) هو الدين.[13]
ولكن الطبيعة الإنسانية تشتمل على العقل إلى جانب الهوى. والعقل المستقيم يحمل الناس على التماس وسائل لحفظ بقائهم أفضل من التي يتوسل إليها الفرد ويجاهد وحده. والناس يستكشفون أن البلية عامة وأنه يمكن تلافيها بوسائل عامة فتبنت أول وأهم قاعدة خلقية وهي طلب السلم، فإن لم نفلح في تحقيقه وجب التوسل للحرب. وشرط السلم أن يتنازل كل فرد عن حقه المطلق في حال الطبيعة فيتنازل الأفراد عنه صراحة أو ضمناً إلى سلطة مركزية. وقد تكون فرداً أو هيئة تجمع بين يديها جميع الحقوق وتعمل الخير للشعب وتحمل الحياة السياسية محل حال الطبيعة.1
هذا التعاقد يلزم وجوب الصدق والأمانة وعرفان الجميل والتسامح والإنصاف والشراكة فيما يتعذر اقتسامه، وفض الخلافات بالتحكيم. وبالجملة تلزم قواعد تلخص في العبارة المأثورة ((لا تصنع بالغير مالا تريد أن يصنع الغير بك)).
لذا كان القانون الخلقي الطبيعي إرادة الله الذي وهبنا العقل السليم وليس يكفي طاعة القواعد ظاهراً بل يجب طاعتها لذاتها والتشبع بها فإن القانون الخلقي يقيد الإنسان أمام ضميره وكل هذا معقول.
ولكن هوبز لا يصل إليه بالعدول عن الطبيعة الحسية إلى العقل السليم وليس العقل السليم مما يعترف به المذهب المادي كقوة خاصة لها قيمة خاصة.
ويجب أن تكون السلطة العامة مطلقة قوية إلى أبعد حد بحيث لا يعود الفرد بازائها شيئاً مذكوراً، ويكون واجب الخضوع المطلق، والا عدنا إلى الخصام والتنابذ.[14]
في الواقع يمتنع حد السلطة السياسية. وهذا الحد يعني الاعتراف بالسلطة المطلقة للفرد أو الأفراد المخول إليهم حق مؤاخذة الحكومة أو خلعها. والملكية هي خير أشكال الحكومة. ومن مزاياها أن واحداً فقط قد يجاوز العدل ويسيء الحكم. وأنها تغني عن المنازعات الحزبية وتصون أسرار الدولة. أما الديمقراطية فما هي إلا أرستقراطية خطباء.
بعدها يرى هوبز دين الدولة واجب محتوم على كل مواطن. والدين بالإجمال ظاهرة طبيعية وهو ليس فلسفة ولكن شريعة لا تتحمل المناقشة بل تقضي الطاعة. وإلى هذا الحد من الإستبداد يذهب هوبز وكأنه أراد أن يدعم الحكم المطلق بأن يجعل منه حكم القانون الطبيعي.
لقد أحال ماكان واقعاً في بلاده إلى نظرية فلسفية.
يرى هوبز في كتابه (لاوثيان – التنين) إن الناس بطبعهم أنانيون تماما يلتمسون بقائهم وسلطاتهم والحصول على القوة. ولقد قال هوبز بحياة فطرية سابقة عن نشأة الجماعة، ولكنها حياة فوضى وصراع أضطر الأفراد معها على التعاقد لإنشاء الجماعة السياسية وهذا التعاقد تم فيما بينهم واختاروا بمقتضاه حاكما لم يكن طرفاً في العقد ولم يرتبط لذلك تجاههم بشئ، وخصوصاً إن الأفراد تنازلوا بالعقد عن جميع حقوقهم الطبيعية. وترتب على ذلك أن السلطان الحاكم غير مقيد بشيء وهو الذي يضع القوانين ويعدلها حسب مشيئته وانتهى إلى تفضيل النظام الملكي على النظامين الأرستقراطي والشعبي.[9]
يرى هوبز إن مسيرة الإنسان كلها قائمة على غريزة حب البقاء ويعتقد إن من الخطأ الاعتقاد بغريزة إجتماعية تحمل الإنسان على الإجماع والتعاون. وإنما الأصل أو (الحالة الطبيعية) إن الإنسان ذئب للإنسان وإن الكل في حرب ضد الكل.
فضلاً على ذلك, ويذهب إلى القول بأن الحاجة استشعار القوة يحملان الفرد على الاستئثار بأكثر ما يستطيع الظفر به من خيرات الأرض وإن أعوزتهُ القوة لجأ إلى الحيلة، يشهد بذلك ما تعملهُ عن أجدادنا البرابرة وعن المتوحشين وماتتخذه جميعاً من تدابير الحيطة وأساليب العدوان، وما نراه في علاقات الدول بعضها ببعض، ما تصنعه الحضارة تحجب العدوان بشعار (الأدب) وأن تستبدل العنف المادي بالنميمة والإفتراء، والانتقام والقانون.1
كانت تجربة الحرب الأهلية الإنكليزية عام (1640) قد جعلت هوبز يستنتج إن الناس لا يملكون القدرة على حكم أنفسهم أو الحكم الذاتي، وكان يرى أن الناس في حالتهم الطبيعية، أو كما تخيل وجودهم من غير حكومة، كانوا في حالة خصام وفوضى وهياج على الدوام في حروبهم بعضهم مع البعض الآخر ولقد عبر عن ذلك بقوله (إن الحياة في حالة الفطرة والطبيعة كانت مقفرة، كريهة، قصيرة).
لقد توصل الناس، تخلصا من الخوف المستحوذ عليهم من بعضهم البعض، ورغبة منهم في الحصول على النظام والأمن والتمتع بمزايا القانون والحق، إن نوع من الإتفاق أو العقد تنازلوا بمقتضاه عن حريتهم في العمل وأوكلوها إلى يد الحاكم. وكان من الضروري أن يملك هذا الحاكم سلطة مطلقة غير مقيدة إذ وحده يستطيع حفظ النظام[10].
وهكذا كان هوبز يدافع عن الحكم المطلق، ولكن ليس باسم الحق الإلهي للملوك، بل باسم مصلحة الأفراد وبقاء السلم. انه يجعل الحكم دنيويا ويدل على منفعته.
اعتبر هوبز من خلال مؤلفة (لوثيان – التنين) داعية الحكم العلماني المطلق وأحد أعلام أصحاب نظريات السلطة المطلقة للدولة. وكان أثره عظيماً على المفكرين اللاحقين إذ صار جميع المشتغلين بالنظريات السياسية وبعده يعدّون الحكومة نظاما خلفتة أغراض الإنسان ومصالحة.
ولم تعد الحكومة جزءاً من نفحة إلهية مقدسة إذا استثنينا عامة الناس المحترفين من علماء اللاهوت. وقد أثر هوبز تأثيراً سلبياً على من أعقبة من رجال الفكر بما ساقة من حجج تبرر السيادة المطلقة حيث أجبرهم على تنفيذ رأية في السلطة المطلقة غير المحدودة.1
في هذه الفترة لابد من التمييز بين عدة مراتب في تاريخ الحكم.
أولاً: - الحالة الطبيعية، وهي بالنسبة لهوبز حالة حرب وفوضى إن الناس هنا متساوون بالطبيعة. وعن المساواة ينبثق الحذر، وعن الحذر تنشأ الحرب بين الناس. الحياة عزلة فقيرة، حيوانية وقصيرة ومفهوم العادل الجائر لا وجود له. وكذلك الملكية أيضاً. إن هوبز يقع في تناقض هنا إذ يعارض الحق الطبيعي.
ثانياً: - ومع كل هذا، يوجد حق طبيعي وقوانين طبيعية، ولكن هذه المفاهيم ليس لها عنده نفس المدلول الموجود عند منظري الحق الطبيعي يرى هوبز انه في حالة (الطبيعة) حيث يكون كل إنسان عدواً لكل إنسان، ليس هناك مكان للعمل الكادح،
لأن ثمرة ذلك غير محققة. (2)
ونتيجة لهذا لن يكون هناك فلاحة للتربة ولا ملاحة ولا بناء مريح ولا معرفة ولا فنون ولا آداب.
ولكن الناس أحرزوا، بعد ذلك، ما في أيديهم من الخيرات بقبولهم فكرة هيمنة الحكومة بحيث أصبحوا يتقبلون تلك الحكومة ويواصلون العمل بها كأنما هناك عقد اجتماعي فيما بينهم، دون أن يكون موجودا في الواقع.1
أما حق الطبيعة فانه يمت بصلة إلى غريزة البقاء.. حرية الفرد في استعمال قدرته الذاتية كما يشاء من أجل حفظ طبيعته الذاتية أي حفظ حياته الخاصة.
أما القانون الطبيعي فهو حكمة أو قاعدة عامة مكتشفة من قبل العقل. ومن أجل تأمين السلم والأمن، ليس في يد الناس وسيلة أفضل من إقامة عقد فيما بينهم ثم تسليم الدولة بالاتفاق المتبادل الحقوق التي إذا احتفظ الأفراد بها أعاقه سلم البشرية.
على كل حال، كانت حجج هوبز، من بعض الوجوه غير كافية لدعم الملوك المستبدين، لقد كره هوبز الخصام وأعمال العنف وكان دفاعه عن الحكم المطلق قائماً على الحاجة إلى هذا النظام لتوفير السلام الداخلي وطمأنينة الأفراد وسيادة القانون. قرر كذلك أن السلطة المطلقة اعتمدت على اتفاق اختياري عقلي قبلها الشعب بمقتضاه وان الحكومة المطلقة التي تخرج عن شروط هذا الاتفاق خروجاً صريحاً واضحاً يصعب تبريرها حتى وفقا لتعاليم ومبادئ هوبز. ومن هنا يختلف هوبز عن أنصار الحكم المطلق في أيامنا هذه.[11]
يرى هوبز أن المجتمع السياسي ليس واقعة طبيعية، انه بالنسبة إليه الثمرة الاصطناعية لميثاق إرادي ولحساب مصلحي. كما ويرى أن السيادة تقوم على عقد. ومع ذلك فليس أمر عقد بين الملك ورعيته، بل بين الأفراد الذين قرروا أن يكون لهم ملك. وهو بدلاً من أن يحد السيادة يؤسسها على عقد. ثم ان العقد، في الأصل يخلق الرغبة في السلم وهذا بمثابة هم أساسي عند هوبز، في النهاية إن الواقع والهدف عند الذي يتخلى عن حقه أو يحوله ليس أمنه الشخصي في حياته وفي وسائل حفظ هذا الأمن.
هكذا تبدو الدولة كشخص (تعديدية) تكون شخصاً واحداً عندما تتمثل بإنسان واحد أو بشخص واحد.
شرط أن يتم ذلك برضى كل فرد وبصورة خاصة يرضي كل الذين يتكون منهم هذا الشخص ويرى هوبز ان الدولة مجموعة المصالح الخاصة. وعليها أن تدافع عن المواطن وهذا المواطن لا يتخلى عن حقوقه للدولة إلا من أجل حمايته والدولة تفقد مبرر وجودها إذا لم تأمن الأمن وإذا لم تحترم الطاعة. إن أي سلطة روحية لا تستطيع أن تعارض الدولة وليس بمقدور أحد أن يخدم سيدين. والملك ليس فقط أداة الدولة بكل كنيته، انه أيضاً يمسك باليد اليمنى (السيف) وباليد اليسرى عصا الأسقفية وهكذا تتثبت قدرة الدولة وأيضاً وحدتها ولا مكان للأجسام الوسيطة أو الأحزاب أو التكتلات. وحول هذه النقطة يسبق هوبز الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو.[12]
ولا ينفك هوبز ينتقد فعل السلطات. وهو يدعم بقوة أطروحة السيادة المطلقة. ليس للملك أي قيد خارجي يحد من سلطته.
ان أخلاقية هوبز تقوم على اعتبارات منفعية. وهذه الأخلاقية ثابتة – وهي لا تدين بشيء للايمان المسيحي، ولا للولاء للملك، ولا بشيء للرغبة في حفظ المؤسسات أو المحافظة على المصالح المرتبطة بالملكية. يعتقد هوبز أنه في الدولة الأكثر تسلطاً يعرف الفرد أكمل تطوره. أنه يجد فيها مصلحته وسعادته ولذته ورفاهيته. 1
كانت سياسة هوبز في أعماقها عقلانية. وكانت مرتكزة على ثقافة علمية وكانت تعتبر السياسة علماً يجب تركيزه على المفاهيم العادلة وعلى التعاريف الدقيقة. وكانت فلسفته وسياسته مناوئة للأرسطية وهو يرفض الإيمان بالفكرات الفطرية الطبيعية وكان يؤكد على أهمية التعاريف والحدود والاشارات واللغة ((لو لا اللغة لما كان بين الناس دولة ومجتمع وعقد وسلم)).
كان هوبز يرفض اللجوء إلى ماهو فوق الطبيعي. وكل مؤلفاته هي محاربة ضد الأشباح وجهد للقضاء على القوى الخفية. ونهاية ((التنين)) هي في هذا الشأن ملفتة إلى أقصى حد. وربا يكمن هنا مفتاح العمل كله.
ينتقد هوبز في الفصل الأخير من كتابه هذا (لوثيان – التنين) والذي يقع تحت عنوان (مملكة الظلمات) علم الشياطين، والعزائم والرقيات والخوف من الشيطان، والأرباح التي يجنيها الكهنوت (رجال الدين) عن ذلك.
إن القلق البشري هو في أساس الدين ((إن الخشية من قوى خفية، سواء كانت وهما من الفكر أو تصوراً مأخوذاً عن العادات المقبولة عموماً)) هو الدين.[13]
ولكن الطبيعة الإنسانية تشتمل على العقل إلى جانب الهوى. والعقل المستقيم يحمل الناس على التماس وسائل لحفظ بقائهم أفضل من التي يتوسل إليها الفرد ويجاهد وحده. والناس يستكشفون أن البلية عامة وأنه يمكن تلافيها بوسائل عامة فتبنت أول وأهم قاعدة خلقية وهي طلب السلم، فإن لم نفلح في تحقيقه وجب التوسل للحرب. وشرط السلم أن يتنازل كل فرد عن حقه المطلق في حال الطبيعة فيتنازل الأفراد عنه صراحة أو ضمناً إلى سلطة مركزية. وقد تكون فرداً أو هيئة تجمع بين يديها جميع الحقوق وتعمل الخير للشعب وتحمل الحياة السياسية محل حال الطبيعة.1
هذا التعاقد يلزم وجوب الصدق والأمانة وعرفان الجميل والتسامح والإنصاف والشراكة فيما يتعذر اقتسامه، وفض الخلافات بالتحكيم. وبالجملة تلزم قواعد تلخص في العبارة المأثورة ((لا تصنع بالغير مالا تريد أن يصنع الغير بك)).
لذا كان القانون الخلقي الطبيعي إرادة الله الذي وهبنا العقل السليم وليس يكفي طاعة القواعد ظاهراً بل يجب طاعتها لذاتها والتشبع بها فإن القانون الخلقي يقيد الإنسان أمام ضميره وكل هذا معقول.
ولكن هوبز لا يصل إليه بالعدول عن الطبيعة الحسية إلى العقل السليم وليس العقل السليم مما يعترف به المذهب المادي كقوة خاصة لها قيمة خاصة.
ويجب أن تكون السلطة العامة مطلقة قوية إلى أبعد حد بحيث لا يعود الفرد بازائها شيئاً مذكوراً، ويكون واجب الخضوع المطلق، والا عدنا إلى الخصام والتنابذ.[14]
في الواقع يمتنع حد السلطة السياسية. وهذا الحد يعني الاعتراف بالسلطة المطلقة للفرد أو الأفراد المخول إليهم حق مؤاخذة الحكومة أو خلعها. والملكية هي خير أشكال الحكومة. ومن مزاياها أن واحداً فقط قد يجاوز العدل ويسيء الحكم. وأنها تغني عن المنازعات الحزبية وتصون أسرار الدولة. أما الديمقراطية فما هي إلا أرستقراطية خطباء.
بعدها يرى هوبز دين الدولة واجب محتوم على كل مواطن. والدين بالإجمال ظاهرة طبيعية وهو ليس فلسفة ولكن شريعة لا تتحمل المناقشة بل تقضي الطاعة. وإلى هذا الحد من الإستبداد يذهب هوبز وكأنه أراد أن يدعم الحكم المطلق بأن يجعل منه حكم القانون الطبيعي.
لقد أحال ماكان واقعاً في بلاده إلى نظرية فلسفية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق